الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

151

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و بَلْ في حكاية جواب القوم لإضراب الانتقال من مقام إثبات صفاتهم إلى مقام قاطع للمجادلة في نظرهم وهو أنهم ورثوا عبادة هذه الأصنام ، فلما طووا بساط المجادلة في صفات آلهتهم وانتقلوا إلى دليل التقليد تفاديا من كلفة النظر والاستدلال بالمصير إلى الاستدلال بالاقتداء بالسلف . وقوله : كَذلِكَ يَفْعَلُونَ تشبيه فعل الآباء بفعلهم وهو نعت لمصدر محذوف ، والتقدير : يفعلون فعلا كذلك الفعل . وقدم الجار والمجرور على يَفْعَلُونَ للاهتمام بمدلول اسم الإشارة . واقتصر إبراهيم في هذا المقام ( الذي رجحنا أنه أول مقام قام فيه للدعوة ) على أن أظهر قلة اكتراثه بهذه الأصنام فقال : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لأنه أيقن بأن سلامته بعد ذلك تدل على أن الأصنام لا تضرّ وإلّا لضرّته لأنه عدوّها . وضمير فَإِنَّهُمْ عائد إلى ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . وقوله : وَآباؤُكُمُ عطف على اسم كُنْتُمْ . والعدوّ : مشتق من العدوان ، وهو الإضرار بالفعل أو القول . والعدوّ : المبغض ، فعدوّ : فعول بمعنى فاعل يلازم الإفراد والتذكير فلا تلحقه علامات التأنيث ( إلا نادرا كقول عمر لنساء من الأنصار : يا عدوات أنفسهن ) . قال في « الكشاف » : حملا على المصدر الذي على وزن فعول كالقبول والولوع . والأصنام لا إدراك لها فلا توصف بالعداوة . ولذلك فقوله فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي من قبيل التشبيه البليغ ، أي هم كالعدوّ لي في أني أبغضهم وأضرهم . وهذا قريب من قوله تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] أي عاملوه معاملة العدوّ عدوّه . وبهذا الاعتبار جمع بني قوله لَكُمْ عَدُوٌّ [ فاطر : 6 ] وقوله : فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] . والتعبير عن الأصنام بضمير جمع العقلاء في قوله : فَإِنَّهُمْ دون ( فإنّها ) جري على غالب العبارات الجارية بينهم عن الأصنام لأنهم يعتقدونها مدركة . وجملة : أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مفرّعة على جمل كلام القوم المتضمنة عبادتهم الأصنام وأنهم مقتدون في ذلك بآبائهم . فالفاء في أَ فَرَأَيْتُمْ للتفريع وقدم عليها همزة الاستفهام اتّباعا للاستعمال المعروف وهو صدارة أدوات الاستفهام . وفعل الرؤية قلبي . ومثل هذا التركيب يستعمل في التنبيه على ما يجب أن يعلم على إرادة التعجيب مما يعلم من شأنه . ولذلك كثر إردافه بكلام يشير إلى شيء من عجائب أحوال مفعول الرؤية كقوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا [ النجم : 33 ، 34 ] الآية ، ومنه تعقيب قوله